النص الكامل لتصريحات وزير الخارجية سيد عباس عراقجي في مراسم تجديد العهد من قبل مديري وموظفي وزارة الخارجية مع مبادئ الإمام الراحل والثورة الإسلامية
.
منذ العام الماضي حين حضرنا هنا وحتى اليوم، شهدت الساحة الداخلية والإقليمية والدولية تطورات كثيرة، كان أبرزها تطوران كبيران؛ أولهما حرب الـ 12 يومًا، وثانيهما العملية الإرهابية الأخيرة.
في صباح اليوم الذي وقع فيه الهجوم، حضرنا مع الزملاء إلى وزارة الخارجية عند الساعة الخامسة فجرًا. وفي الطريق تذكرت شهر أيلول/سبتمبر 1979 وبداية حرب نظام صدام ضد إيران. كنت آنذاك مراهقًا، لكنني أذكر جيدًا أنه عندما قصفت طائرات العدو مناطق مختلفة، كان رد فعل الإمام الخميني (رض) باعثًا على الطمأنينة، إذ قال بكل هدوء إن شيئًا لم يحدث، وإن لصوصًا جاؤوا وألقوا حجرًا ثم عادوا إلى أماكنهم، وسيتم الرد عليهم.
وأنا في طريقي إلى وزارة الخارجية، كان هذا المشهد حاضرًا في ذهني، وأننا اليوم في وضع مشابه؛ لم يحدث شيء، هاجموا وسيتلقون الرد. وكما صمدنا في الدفاع المقدس الذي استمر ثماني سنوات، كان علينا أن نصمد في هذا الدفاع أيضًا، وقد صمدنا بالفعل بقوة واقتدار.
الحرب التي استمرت 12 يومًا تشكل نقطة تحول في تاريخ إيران، وقال: من حق هذه الحرب أن تُكتب عنها الدراسات لسنوات مقبلة. ففي اليومين أو الثلاثة الأولى، نشر رئيس أمريكا تغريدة بكلمتين فقط: «استسلام غير مشروط»، أي أنهم جاؤوا لفرض الاستسلام غير المشروط على الشعب الإيراني. هذا لا يحتاج إلى تحليل أو تفسير، بل هو واقع حدث فعليًا ونص العبارة التي قيلت.
منذ الأيام الأولى كانوا يقولون تعالوا إلى التفاوض. قلنا لهم إننا كنا بالفعل في حالة تفاوض حين وقع الهجوم. أوقفوا العدوان ثم تحدثوا عن الدبلوماسية. لكن ردهم كان: تعالوا أولًا إلى التفاوض، ويمكن أن يكون وقف إطلاق النار أحد نتائجه، أي أن المقصود كان التفاوض من أجل الاستسلام. إلا أن الشعب الإيراني، بحكمة قائد الثورة الإسلامية، اختار طريق المقاومة، مستندًا إلى الدروس التي تعلمناها من الإمام الراحل، وإلى الثقة بالنفس التي غرسها فينا.منذ الليلة الأولى، بدأ رد قواتنا المسلحة على هجماتهم واستمر، وفي اليوم الثاني عشر من الحرب، أرسل أولئك الذين كانوا يتحدثون عن الاستسلام غير المشروط رسالة يطالبون فيها بوقف إطلاق نار غير مشروط. وأنا شاهد حي على ذلك، حيث تلقينا حرفيًا رسالة تفيد بأنهم سيتوقفون عن القتال من ساعة محددة، ويطلبون منا أن نتوقف أيضًا.
هذا كان نتيجة إرادة الشعب الإيراني وثقته بنفسه وصموده، وهو درس تعلمناه من الإمام الخميني (رض)، وواصل قائد الثورة الإسلامية قيادتنا عليه. لقد أظهرت حرب الأيام الـ12 أن المقاومة والثبات والتضحية قادرة على كسر الأسلحة الثقيلة، وتجسدت عمليًا مقولة الإمام الخميني: «الدم ينتصر على السيف».
قال الإمام الخميني عام 1981 عبارة أخرى رأيناها تتجسد عيانًا في هذه الحرب، حين قال: «إذا سقط علم من يد قائد، فهناك قائد آخر قوي يرفعه». لقد ظنوا أنهم استهدفوا جميع قادتنا من الصف الأول، لكن لم تمضِ ساعات حتى ارتفع العلم من جديد. وكل هذه من تعاليم الإمام الراحل.
نحن سعداء بأننا ما زلنا، مستندين إلى هذه التعاليم، نحضر بقوة في الساحتين الإقليمية والدولية. هذه المرة جاءوا بأسلوب مختلف ومؤامرة جديدة، ولن أدخل في التفاصيل لأن الجميع على دراية بها. لكن ما جرى في الأيام الثلاثة من 8 إلى 10 كانون الثاني لا علاقة له باحتجاجات أو مطالب الناس، بل كان امتدادًا لتلك الحرب التي استمرت 12 يومًا.
حق الشعب في الاحتجاج والتظاهر السلمي معترف به في دستورنا، وهو من ثمار الإمام الراحل، وقد مورس هذا الحق خلال الأيام العشرة التي سبقت تلك الأحداث، من 8 إلى 10 كانون الثاني، حيث تحلت الحكومة بسعة الصدر ودخلت في حوار مع قادة المجموعات المحتجة. لكن خلال الأيام الثلاثة اللاحقة تسللت عناصر إرهابية، ودخل السلاح، ويجب الفصل بين تلك الأيام الثلاثة والأيام العشرة السابقة، لأن ما جرى خلالها كان استمرارًا للحرب غير الشريفة التي شنتها أمريكا والكيان الصهيوني ضدنا، والتي انتهت بالمصير نفسه، أي الفشل، رغم كل ما قاموا به.
إن شاء الله سنرى قريبًا ثمار هذه المقاومة في ميدان السياسة الخارجية. فنحن، إلى جانب كوننا أهل حرب ومقاومة، كنّا دائمًا أهل دبلوماسية أيضًا. لم نتخلَّ يومًا عن الدبلوماسية، ولم نُفوّت أي فرصة لتحصيل حقوق الشعب الإيراني عبرها.
نحن والقوات المسلحة في خندق واحد؛ هم يؤدون واجبهم ونحن نؤدي واجبنا، ونتحرك جميعًا معًا من أجل ضمان حقوق الشعب، والدفاع عن مصالحه، وتأمين أمنه.
بعد فشلهم في المؤامرة الأخيرة، هم من عادوا للحديث عن الدبلوماسية. ونحن كنا دائمًا مستعدين لها، شريطة أن تكون من موقع الندية، وعلى أساس الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة.من يتحدث باحترام يُقابل بالاحترام، ومن يتحدث بلغة التهديد والقوة يتلقى الرد باللغة نفسها. نحن مستعدون للدبلوماسية، لكن عليهم أن يدركوا أن الدبلوماسية لا تنسجم مع التهديد والترهيب والضغط. للدبلوماسية قواعدها وأخلاقياتها، وإن شاء الله سنبقى ثابتين على هذا الطريق، وآمل أن نرى نتائج ذلك قريبًا.